التضليل الإعلامي، الكورونا والسويد كمثال
مقدمة:
نشر الروائي الأمريكي "جون ستاينبك" روايته "عناقيد الغضب" في العام ١٩٣٩، تستلهم الرواية أحداثها من فترة الكساد العظيم الذي بدأ في أمريكا في العام ١٩٢٩، كانت فترة إنهيار إقتصادي شبيهة لما حدث في العام ٢٠٠٨ في الولايات المتحدة. كانت الرواية نقدا لاذعا للوضع الإقتصادي والسياسي الأمريكي، ولفكرة "الحلم الأمريكي"، في العام ١٩٤٠، تم إنتاج فيلم سينمائي يسرد القصة، لاقى الفيلم نجاحا باهرا، لكنه بالمقابل لاقى إنتقادات بكونه مضللا للحقيقة وأشبه بالدعاية الحمراء (الشيوعية), حتى أن فلاحين في كاليفورنيا حرقوا نسخا من الكتاب كإحتجاج على كيفية تصويرهم فيه، قصة عناقيد الغضب وبطلها "توم جود" ترسخت بالوعي الأمريكي، وكانت إلهاما لعدة أعمال أخرى مثل أغنية "شبح توم جود" لبروس سبرينجستين.
قرر جوزيف ستالين، رئيس الاتحاد السوفيتى، في العام ١٩٤٩ عرض هذا الفيلم في صالات الإتحاد السوفييتي، إعتقادا منه أن الفيلم هو نوع من إنتصار للفكر الشيوعي على الفكر الرأسمالي الغربي، الذي سبب المعاناة للشعب الأمريكي. الشيوعية فكرة حديثة، ورغم كونها جذابة للطبقة الفقيرة، لم يأخذها أحد مأخذ الجد من الناحية الإقتصادية، ستالين رأى في عرض الصورة عند العدو الغربي كفرصة لإثبات نجاح السياسة التي يحاول فرضها.
قرر جوزيف ستالين، رئيس الاتحاد السوفيتى، في العام ١٩٤٩ عرض هذا الفيلم في صالات الإتحاد السوفييتي، إعتقادا منه أن الفيلم هو نوع من إنتصار للفكر الشيوعي على الفكر الرأسمالي الغربي، الذي سبب المعاناة للشعب الأمريكي. الشيوعية فكرة حديثة، ورغم كونها جذابة للطبقة الفقيرة، لم يأخذها أحد مأخذ الجد من الناحية الإقتصادية، ستالين رأى في عرض الصورة عند العدو الغربي كفرصة لإثبات نجاح السياسة التي يحاول فرضها.
بعد بدأ العروضات، سرعان ما إضطر ستالين للتراجع وسحب الفيلم من صالات العرض. لقد إتضح للشعب الروسي أن الفقراء الأمريكيين، في فترة كساد كانت تعتبر فشل المنظومة الرأسمالية، عاشوا بمستوى أعلى من سكان الاتحاد السوفييتي، إلى درجة أنهم كانوا يملكون شاحنة صغيرة!
هدف هذا المقال هو إظهار الأمثلة التي يحاول طرحها الإعلام كعلة للحكومات لممارسة سياستها القمعية، كما أظهر "عناقيد الغضب" وضع أمريكا لسكان الإتحاد السوفيتي, عن طريق تصحيح ما نشر بالإعلام بخصوص السويد، زعزعة ثقتك بمنظمة الصحة العالمية كمنظمة حيادية تضع مصلحتك صوب أعينها، وإظهار فرضيات لفشل بعض الأمكنة بالتصدي للمرض..
تسلسل الأحداث:
أكتب هذه السطور عزيزي القارئ، بعد الفوضى التي حلت بقدوم هذا الفيروس المستجد، بدأت الحياة تعود إلى مجاريها في بعض الدول وفي دول أخرى نرى موجة جديدة، مصطلحات مثل "الحياة ما بعد الكورونا" وال "New Normal" تظهر يوميا، تبلغنا أن نمط حياتنا كما عرفناه من قبل قد إنتهى، وعلينا الإعتياد إلى واقع جديد.
لمحاربة المرض كان هناك تجند إعلامي منقطع النظير على المستوى العالمي، الجميع إتفق أن سياسة قمعية ومتطرفة، متمثلة بإغلاق عام لمعظم مجالات العمل، بضمنها المدارس، هي الحل الأمثل، كل معارض صور كأحمق، وللإنسان الذي يأخذ الأخبار من المصادر الرسمية كان مؤكدا أنه ليس هناك اراء خبيرة أخرى. لكن لم يكن هذا الواقع بتاتا، العديد من علماء الأوبئة المرموقين احتجوا على بيئة الرعب التي بثتها الحكومات ووسائل الإعلام، كل سنة هناك طفرات لفيروسات جديدة، لكنا لم نغير مجرى حياتنا لأجلها، لم ننصب عدادات للموتى منها، ولم نرسل كل شخص هناك أدنى شك أنه حامل للفيروس ليجري فحص تسلسل جيني باهظ الثمن.
ليس بالقصد من المكتوب، الإدعاء أنه ليس هناك فيروس SARS-CoV2 أو مرض COVID -19، كما وأنه ليس القصد التقليل من خطورة هذا المرض المستجد، المرض موجود، والمرض خبيث، وأدعو الله ألا يصيب أحد.
قد تأخذ الإنطباع لاحقا أنني أدافع عن ترامب، لكن العكس هو الصحيح، فقد فشل فشلا ذريعا في احتواء المرض مثلما فشل في مهمته كرئيس بشكل عام، إنما التنويه أن منتقديه قد ارتكبوا العديد من الأخطاء، ويقع عليهم لوم أكثر حتى من اللوم الذي يقع عليه، وأولهم الصحافة التي تنتقده. لن أذكر حماقات ترامب لأنك مؤكد سمعتها مع تضخيم من وسائل الإعلام، سوف أركز على ما لم تسمعه.
ليس بالقصد من المكتوب، الإدعاء أنه ليس هناك فيروس SARS-CoV2 أو مرض COVID -19، كما وأنه ليس القصد التقليل من خطورة هذا المرض المستجد، المرض موجود، والمرض خبيث، وأدعو الله ألا يصيب أحد.
قد تأخذ الإنطباع لاحقا أنني أدافع عن ترامب، لكن العكس هو الصحيح، فقد فشل فشلا ذريعا في احتواء المرض مثلما فشل في مهمته كرئيس بشكل عام، إنما التنويه أن منتقديه قد ارتكبوا العديد من الأخطاء، ويقع عليهم لوم أكثر حتى من اللوم الذي يقع عليه، وأولهم الصحافة التي تنتقده. لن أذكر حماقات ترامب لأنك مؤكد سمعتها مع تضخيم من وسائل الإعلام، سوف أركز على ما لم تسمعه.
من المحبذ أن نراجع تسلسل الأحداث، ليس كما هو معروض بالصحافة اليوم، إنما من منظور مشكك تابع الأحداث منذ بدأت. هذه بعض المحطات المهمة في طريقنا إلى ما نحن عليه الان، بحسب تاريخ ظهورها:
1/1/2020: تغريدة غريبة تظهر على حساب التويتر الخاص ب Global Times، صحيفة باللغة الإنجليزية موالية للنظام الصيني، تقول بأن النظام قام باعتقال ٨ أشخاص في ووهان، ينشرون الإشاعات بخصوص وباء شبيه بالسارس. إتضح لاحقا أن المعتقلين هم أطباء، قرعوا ناقوس الخطر، توفي أحدهم في 7/2.
5/1/2020:منظمة الصحة العالمية تعلن عن تكون خلية مصابين في مرض جديد يهاجم جهاز التنفس في ووهان، بدون ضحايا حاليا.
9/1/2020: أول موت يسجل في الصين لإنسان يحمل الفيروس.
12/1/2020: الصين تنشر التسلسل الجيني للفيروس الجديد.
14/1/2020: منظمة الصحة العالمية تعلن في تغريدة أنه "لا أدلة على إمكانية نقل العدوى من إنسان لإنسان"، لاحظ عزيزي القارئ مدى تفادي إتخاذ الخطوات المانعة في تصريحات نفس الأشخاص الذين سيطلبون منك أن تلزم بيتك وأن ترتدي الكمامة حيثما تذهب لاحقا.
20/1/2020: مسافر من هونج كونج يعلو متن باخرة "دياموند برنسس" السياحية، سيتضح لاحقا أنه حامل للفيروس.
21/1/2020: أول حالة يتم تشخيصها في أوروبا.
23/1/2020: ووهان تحت أمر حظر تجول شامل، فيديوهات لمواطنين يطمئنون بعض من الشرفات تنتشر في شبكات التواصل.
25/1/2020: الصين تلغي الإحتفالات برأس السنة الصيني.
30/1/2020: منظمة الصحة العالمية تعلن رسميا عن حالة طوارئ بسبب وباء COVID-19.
31/1/2020: أليكس عازر، وزير الصحة الأمريكي يعلن حالة طوارئ، ترامب يقيد الطيران من الصين.
3/2/2020: سكرتير عام منظمة الصحة العالمية "تدروس أضهانم" يرد على ترامب بأنه ليس هناك حاجة لمنع دخول الصينيين.
4/2/2020: تشخيص 10 مسافرين على متن "دياموند برنسس" مع الفيروس، السفينة تدخل الحجر الصحي وترسي بجانب يوكوهوما باليابان.
5/2/2020: النيو يورك تايمز ينشر مقالا، ينتقد ترامب، بعنوان "من قال أنه ليس من الآمن أن نسافر إلى الصين؟", النيو يورك تايمز سيشكل لاحقا رأس الحربة الصحفية ضد ترامب وضد كل من يستخف بتعليمات حظر التجول.
5/2/2020: عمدة مدينة فلورنسا في شمال إيطاليا، منزعجا من تخوف الناس من الصينيين في مدينته التي فيها عدد كبير من العمال الصينيين الغرباء عادوا من عطلتهم السنوية في بلادهم إلى شمال إيطاليا، يطلق حملة "عانقني أنا صيني" لمحاربة العنصرية، نفس العمدة سيجعر برعاياه بعد شهر ونصف بأن يلزموا بيوتهم لأسابيع. شمال إيطاليا، لسبب مبهم، هي ثاني أكبر خلية للمرض بالعالم.
9/2/2020: لا زلنا بنيو يورك، إدارة بلدية نيو يورك تعلن العصيان ضد ترامب العنصري، وتحث رعاياها لحضور الإحتفالات برأس السنة الصيني، نيو يورك بجحافلها تستجيب النداء. نيو يورك, لسبب غامض, هي أكبر خلية للمرض في العالم.
19/2/2020: مباراة دوري أبطال أوروبا بين فالنسيا الإسباني وأطلنطا الإيطالي في برغامو في شمال إيطاليا، كان المرض قد إنتشر في شمال إيطاليا لكن لم يكن معروفا في حينها، والمباراة التي حوت عشرات الالاف من سكان شمال إيطاليا ساهمت في نشر المرض أكثر، جمهور فالنسيا يعود خاسرا وحاملا معه الفيروس لبلاده بكميات، مع أن بؤرة المرض في إسبانيا كانت بمدريد وليس في فالنسيا لكن لا شك أن المباراة لعبت دورا. بهذه الأوقات، إيطاليا التي هي مركز سياحي، بدأت بتصدير المرض لأوربا ودول أخرى.
أوامر حجر صحي في العديد من المناطق المصابة بشمال إيطاليا.
2/3/2020: نعود إلى نيو يورك، الأخبار من إيطاليا تبدأ بالوصول، بلدية نيو يورك تطمإن رعاياها أن كل شيء تحت السيطرة وليس هناك خوف من ممارسة الحياة بشكل طبيعي، أندرو كومو، حاكم ولاية نيو يورك يعطي التصريح التالي:
"اعذروا غرورنا كنيو يوركيون، وأنا أتحدث أيضا بإسم العمدة، نحن نرى أن لدينا أفضل نظام صحي بالعالم، لذا، عندما تقول لي أن هذا ما حدث في أمكنة أخرى، نحن لا نرى أن الأمور ستصل لهذا السوء عندنا"
عمدة نيويورك يحث السكان على الذهاب إلى مهرجان السينما، وغموض سبب كون نيو يورك أسوأ مكان بالعالم بتلقي الوباء يستمر.
"اعذروا غرورنا كنيو يوركيون، وأنا أتحدث أيضا بإسم العمدة، نحن نرى أن لدينا أفضل نظام صحي بالعالم، لذا، عندما تقول لي أن هذا ما حدث في أمكنة أخرى، نحن لا نرى أن الأمور ستصل لهذا السوء عندنا"
عمدة نيويورك يحث السكان على الذهاب إلى مهرجان السينما، وغموض سبب كون نيو يورك أسوأ مكان بالعالم بتلقي الوباء يستمر.
7/3/2020: أندرو كومو، حاكم ولاية نيو يورك يعلن حالة طوارئ.
8/3/2020: نيو يورك تغلق المدارس وتمنع التجمهرات.
8/3/2020: معظم شمال إيطاليا تحت حظر تجول، النظام الصحي على شفا الإنهيار.
10/3/2020: كل إيطاليا في حظر تجول، النظام الصحي لا يسع أي مرضى إضافيين، مؤشر الهلع في العالم كله يدخل إلى عمق المنطقة الحمراء.
15/3/2020: معظم دول غرب أوروبا تحت حظر تجول، أعداد الموتى من إيطاليا وأسبانيا مرعبة، الكل، ما عدا دولتين، بريطانيا والسويد.
بريطانيا قررت إستراتيجية "حرق" الفيروس عن طريق مناعة القطيع, أي نشر العدوى قدر المستطاع حتى تكون الدولة محصنة من الفيروس.
السويد قررت الإستمرار بالحياة، مع إجراءات وقائية بحسب ما يتطلب الوضع، منعت تجمهرات أكثر من ٥٠ شخص، نصحت السكان بالتباعد قدر الإمكان، من يقدر أن يعمل أو يتعلم من البيت فليفعل ذلك, من يحس أنه ليس على ما يرام، فليحجر نفسه، المدارس، ما عدا الثانوية تابعت كما قبل.
كل العالم تعرف على مصطلح "flatten the curve"، والقصد هو تفادي العدوى حتى لا نعبر قدرة النظام الطبي على إستيعاب المرضى، مثلما حدث في إيطاليا.
16/3/2020: "نيال فيرغسون" من "Imperial College" ينشر نموذج لتوقعاته للمرضى والموتى في بريطانيا والولايات المتحدة، الأرقام مرعبة، نصف مليون ضحية في بريطانيا وإثنان وربع مليون في الولايات المتحدة، "بوريس جونسون" يقلب سياسته ١٨٠ درجة ويعلن عن حظر تجول.
"نيال فيرغسون" كان قد قدم توقعات في وباء جنون البقر ووباء إنفلونزا الخنازير من قبل، وفي كلا الحالتين توقعاته كانت أكثر من الواقع بعشرات الأضعاف، واتضح لاحقا أنه هو نفسه لم ينصاع لنصائحه وكسر حظر التجول ليلاقي عشيقته.
برنامج الحاسوب الذي استعمله أيضا نشر، وأنصح كل من لديه خبرة بالبرمجة إلقاء نظرة عليه.
"نيال فيرغسون" كان قد قدم توقعات في وباء جنون البقر ووباء إنفلونزا الخنازير من قبل، وفي كلا الحالتين توقعاته كانت أكثر من الواقع بعشرات الأضعاف، واتضح لاحقا أنه هو نفسه لم ينصاع لنصائحه وكسر حظر التجول ليلاقي عشيقته.
برنامج الحاسوب الذي استعمله أيضا نشر، وأنصح كل من لديه خبرة بالبرمجة إلقاء نظرة عليه.
19/3/2020: نيو يورك تحت أوامر "إلزم بيتك"، "أندرو كومو" يوجه أصابع الاتهام نحو ترامب أنه لا يساعد، "مارك ليفين" الذي نذكره من عصيان الحكومة الفدرالية في بداية فبراير، يأمر الحكومة الفدرالية بتوفير المعدات الطبية لمدينته
29/3/2020: أنجح دولة بالتعامل مع الفيروس هي تايوان، منظمة الصحة العالمية لا تعترف بها، لكي لا تثير غضب الصين، إرضاء الدولة التي خرج منها الفيروس ومعروفة بعدوانيتها، أهم من التعلم من دولة لم تسبب الضرر لأحد.
30/3/2020: "دياموند برنسس" تبحر من جديد، 14 شخص كانوا على متنها ماتوا وهم حاملين الفيروس، من أصل 712 أخذوا العدوى. نسبة الموت من المصابين كانت 1.9%، مع أن عمر رواد السفينة المرتفع لا يمثل دول، لكنه كان أول إشارة لتأثير الفيروس.
تبقى السويد الدولة الوحيدة بغرب أوروبا وأمريكا التي لم تدخل حظر تجول، لم تغلق المدارس ما عدا الثانوية، وأعطت السكان حرية التصرف واتخاذ القرار، بالمقابل منعت التجمهرات بالإضافة إلى بعض الإجراءات الوقائية. ماذا حدث بالسويد وهل كانت التغطية الإعلامية منصفة سيكون تتمة هذا المقال.




Comments
Post a Comment